ابن عجيبة
281
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
عمّن لا يصوم ، وبمن يحجّ ، عمّن لا يحجّ ، وبمن يجاهد عمّن لا يجاهد . ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم اللّه طرفة عين » . وفي حديث آخر : « لولا عباد للّه ركّع ، وصبية رضّع ، لصبّ عليكم العذاب صبا » . وروى جابر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه ليصلح بصلاح الرجل - ولده وولد ولده ، وأهل دويرته ، ودويرات حوله ، ولا يزالون في حفظ اللّه ما دام فيهم » . ه . فهذا من فضل اللّه على عباده يصلح طالحهم بصالحهم ، ويشفع خيارهم في شرارهم ، ولولا ذلك لعوجلوا بالهلاك ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ . تِلْكَ يا محمد ، آياتُ اللَّهِ والإشارة إلى ما قصّ من حديث الألوف ، وتمليك طالوت ، وإتيان التابوت ، وانهزام الجبابرة أصحاب جالوت ، نَتْلُوها أي : نقصها عليكم بِالْحَقِّ أي : بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ ، وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ حيث أخبرت بها من غير تعرف ولا استماع ولم يعهد منك تعلم ولا اطلاع ، فلا يشك أنه من عند الخبير العليم ، إلا من طبع اللّه على قلبه . نعوذ باللّه من ذلك . الإشارة : « من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى اللّه في البدايات » ، فإذا برز المريد لجهاد أعدائه من النفس والهوى والشيطان وسائر القطاع ، واستنصر باللّه وتبرأ من حوله وقوته ، كان ذلك علامة على نصره وظفره بنفسه ، وكان سببا في نجح نهايته ، فيملكه باللّه الوجود بأسره ، ويفتح عليه من خزائن حكمته . قال أبو سليمان الداراني : ( إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام ، جالت في الملكوت ثم عادت إلى صاحبها بطرائف الحكم من غير أن يؤدّى إليها عالم علما ) . وفي الخبر : « من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم » . وكان حينئذ رحمة للعباد ، يدفع اللّه بوجوده العذاب عمن يستحقه من عباده . وفي الحديث القدسي : « يقول اللّه عز وجل : إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت همته ولذّته في ذكرى ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، لا يسهو إذا سها الناس ، أولئك كلامهم كلام الأنبياء ، أولئك الأبطال حقا ، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ذكرتهم فصرفته بهم عنهم » . حقّقنا اللّه بمحبتهم وجعلنا منهم . . آمين .